التنمر .. وما ادراكم ما التنمر ..؟

Posted by: admin Comments: 0

هل هو .. صخرة سيزيف والعذاب الابدي..؟؟

أذكر انني اول مرة اسمع فيها كلمة او مصطلح ” تنمر ” ، لم أدرك بالضبط مراميها وابعادها او ما ترمي اليه على وجه الدقة ، وان فهمت معناها في السياق العام الى حد ما . كما أنني شعرت بشيء من عدم الارتياح حيث أنني أرجعت معنى الكلمة الى حيوان النمر المفترس المشتق المصطلح من اسمه وشراسته وهو حيوان مرقط جميل الشكل وينافس بقوة الأسد زعيم الغابة في القوة والنفوذ والافتراس . وسبب عدم ارتياحي هو تفضيلي لهذا الحيوان الجميل على بقية الحيوانات ربما بسبب شكله الجميل والوانه المثيرة . وان كان في معنى التنمر اعتراف مباشر بقوة وشجاعة هذا الحيوان وقوته الخارقة مقارنة مع كثير من الحيوانات المفترسة الأخرى .

بدأت بهذه المقدمة الغريبة نوعا ما ، لمحاولة رسم خيوط بسيطة وسريعة من بعض تجاربي وانطباعاتي ومشاهداتي لظاهرة التنمر المقلقة والمزعجة بل والخطيرة احيانا التي تعتبر ظاهرة عابرة للقارات وتعاني منها جميع الشعوب والامم على ظهر هذا الكوكب ، وخاصة في المدارس وبين الأطفال والمراهقين على وجه الخصوص

ولا أجازف اذا قلت بأنني شخصيا وفي مراحل المراهقة مررت ببعض مظاهر التنمر المعنوي والمادي وان كان على نطاق ضيق ومحصور ، وأزعم أنني تمكنت من مجابهة هذا النوع من التنمر بقواي الذاتية واستطعت السيطرة عليه ووضع حد له قبل أن يتفاقم ويسبب لي حالة من الخضوع والعقد النفسية التي ربما تجبرني على التسرب من التعليم للهروب من جحيم التنمر ، ولكنني في المقابل اعترف بأنني كنت قليل الحيلة أمام التنمر على زملاء او تلاميذ اخرين لم أستطع الدفاع عنهم لدى تعرضهم للعنف الجسدي او اللفظي والمعنوي ، مجسدا بنوع من المزاح الثقيل والسخرية اللاذعة وعمل مقالب مزعجة وتصرفات لها مس بكرامة الانسان ، وإنما للأسف ، وقفت متفرجا كنوع من الصمت العاجز ، وأحيانا مشجعا من خلال الضحك والقهقهة ..؟؟ . الأمر الذي ترك في نفسي ندوبا حتى اليوم ، وانا استرجع شريط الذكريات والاحداث وما كان يعاني منه ويكابده الكثيرون من التنمر

وكبرنا .. والعيال كبرت.. كما يقال ، وقيل لنا في تبرير هذه الظاهرة مدرسيا انها تعود إلى الجهل وعدم الوعي والادراك في سني الطفولة والمراهقة حيث لا يدرك المتنمر تداعيات تنمره وسلوكه العنيف على زملائه كافة سواء من الذين تمارس عليهم مسلكيات التنمر ويكتوون بناره مباشرة ام من الآخرين الشاهدين والمعاينين لهذه السلوكيات من العنف والأفعال الطائشة . وهذه النظرية تريد أن تجعلنا نعتقد ان التنمر قدر او حالة قدرية لا يمكن تلافيها ومحاصرتها والقضاء عليها بسبب كونها جزء لا إرادي او لاواعي من شخصية المتنمر وانها مزروعة ومغروسة في “جيناته ” ولا راد لها إلا من خلال النمو العقلي والفكري وربما التربوي وهي على كل حال بحاجة إلى مسيرة طويلة من بذل الجهد التربوي المكثف مع إشراك الأسرة ، لعله يصار الى التخفيف من هذه الظاهرة ولجمها ووضعها ضمن حدود معقولة .

وان كنت أشاطر هذا الطرح في بعض تحليله وتشريحه لأسباب هذه الظاهرة وهي كثيرة ومتعددة وقد تتنوع من بيئة الى أخرى الا أنني ميال اكثر ، انه يمكن ” ضبط إيقاع ” تلك الظاهرة خاصة وانها ” تنمو وتتطور ” مع تطور الحياة وهيمنة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي وتتكيف معها بل وتوظف هذه الأخيرة لسوء الحظ ، لبث مزيد من شحنات او جرعات التنمر وتعويم مظاهر العنف النفسي والكلامي واللفظي بحيث باتت وسائل التكنولوجيا العصرية بمختلف أشكالها ومسمياتها مرتعا خصبا لاشكال عديدة ومتوالدة من التنمر المسموم الذي طالما ترك نفوسا محطمة وجريحة وحول اناسا أسوياء الى هياكل محطمة ويائسة وصل بعضها الى مشارف الانتحار ووضع حد للحياة ..؟؟

وطبيعي ان كثير من التربويين وعلماء النفس والخبراء في التعليم تصدوا لهذه الظاهرة وقدموا دراسات معمقة لأسبابها وخلفياتها وكيفية محاصرتها والحد منها وما زالوا ، وطبقوا ويطبقون نظريات علمية وتربوية عديدة ذكية وجريئة ، ولكن المشكلة ما زالت تطل برأسها وما ان تخفت قليلا حتى تثور من جديد وكأنها صخرة ” سيزيف ” المشهورة ، كلما تمكن من ايصالها الى قمة الجبل تدحرجت الى قاع الوادي ، فبدأ من جديد في دحرجتها الى ما لا نهاية ، كناية عن العذاب والألم الابدي الذي لا ينتهي ، وهكذا دواليك

وزبدة الموضوع ، ان التنمر حالة مدرسية سوف يبقى ملازما للتعليم الوجاهي بشكل خاص ما دامت هناك حياة دراسية يومية ، ولكن التحدي الأكبر يتمثل في اجتراح وسائل تربوية فعالة من خلال خارطة طريق شاملة وتفصيليةَ ينفذها ويديرها طاقم من خبراء نفسيين وتربويين يتعاون مع جميع الجهات المعنية وصاحبة المسؤولية ، لاحتواء هذه الظاهرة والحد من مخاطرها وسلبياتها بحيث تكون فقط بحجمها الطبيعي والمنطقي والمعقول والمسيطر عليه في نهاية المطاف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *